محمد بن وليد الطرطوشي
503
سراج الملوك
الأمر ، فإني إن أيسره له أدخله به جهنم ، فيظلّ يتغيّظ « 1 » على جيرانه فيقول : سبقني فلان ، وحسدنى فلان ، وما صرفه عنه إلا الله تعالى : وأنشدوا : قالوا تقيم وقد أحا * ط بك العدوّ ولا تفرّ فأجبتهم الشّيخ ما * لم ينتفع بالعلم غرّ « 2 » لا نلت خيرا ما بقي * ت ولا عدانى الدّهر شرّ إن كنت أعلم أنّ غي * ر اللّه ينفع أو يضرّ استأذن العقل على الجدّ « 3 » فقال : اذهب لا حاجة لي بك ، فقال العقل : ولم ؟ فقال : إنك تحتاج إلىّ ، ولا احتاج إليك . وأوصى حكيم ابنه فقال : يا بنى ، رزقك الله جدّا يخدمك به ذوو العقول ولا رزقك عقلا تخدم به ذوى الجدود . وكان يقال : افراط العقل مضرّ بالجدّ . وروى : أن رجلا خيّر في أمر ، فأبى أن يختار وقال : أنا بجدّى أوثق منى بعقلي ، فأفرغوا . وفي الأمثال : أسع بجدّ لا بكدّ « 4 » أسع بجد أودع ، جدّك لا كدّك « 4 » ، الجدّ لا الجدّ ، الجدّ أغنى من الكد . واعلم أنّ زمام الأمور التوفيق ، ولم ينزل من السماء إلى الأرض أقلّ من التوفيق ، وهو مقرون بالاجتهاد ، قال الله تعالى : وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا [ العنكبوت : 69 ] .
--> ( 1 ) يتغيّظ : من الغيظ وهو شدّة الغضب . ( 2 ) الغرّ : من لا خبرة له . ( 3 ) تطلق كلمة الجدّ ويراد بها عدة معاني ، وسياق الكلام هو الذي يحدد المقصود ، وذلك كما يلي : - الجد ( بالفتح ) : الحظ أو البخت . أبو الأب أو أبو الأم . - الجد ( بالكسر ) : الحق ضد الهزل . الاجتهاد والاهتمام . معنى ( لا ينفع ذا الجد منك الجد ) : لا ينفع ذا الغنى غناه ، بل ينفعه العمل بطاعتك . ومعنى ( جدّ ربنا ) عظمة ربنا ( لسان العرب باب : جدد ) . ( 4 ) الكد : الشدة في العمل وطلب الرزق والإلحاح في الطلب ، في المثل : [ بجدك لا بكدك ] أي إنما تدرك الأمور بما ترزقه من الجد لا بما تعمله من الكد ( لسان العرب لابن منظور . باب : كد 3 / 377 ) .